عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
139
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
أرضيت ؟ قلت : نعم ، قال : ومع هؤلاء سبعون ألفا فيدخلون الجنة بغير حساب لا يكتوون ولا يتطيرون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون » فقام عكاشة بن محصن الأسدي ، فقال : يا رسول اللّه ادع اللّه لي أن يجعلني منهم ، فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « اللهم اجعله منهم » فقام آخر ، فقال : ادع اللّه أن يجعلني منهم ، فقال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « سبقك بها عكاشة » « 1 » . اعلم أن التوكل أن يتخذ العبد ربه وكيلا في أمور دينه ودنياه كما قال تعالى : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [ الطّلاق : 3 ] وينخلع عن تصرفاته بالطبع كما أمره اللّه تعالى بقوله : فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [ المزمّل : 9 ] ثم يكون راضيا بما قسم اللّه له في الأزل مستسلما لما يجري اللّه عليه إلى الأبد ، فتوكل العوام باتخاذ اللّه وكيلا في رعاية مصالح دنياهم وأخراهم وتوكل الخواص بالتسليم للّه فيما أحبوا وكرهوا ، لقوله تعالى : وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 216 ] . وتوكل أخص الخواص ، بالتفويض إلي اللّه مفديا بوجوده لموجده ، متبرئا إلى اللّه تعالى من النظر إلى صلاح حاله أو فساد مآله ، لا يريد لنفسه إلا ما أراد اللّه منه في إيجاده بحكمته . وكلت إلى المحبوب أمري كله * فإن شاء أحياني وإن شاء أتلفا كما قيل : قال سهل بن عبد اللّه : « أول المقامات أن يكون العبد بين يدي اللّه كالميت بين يدي الغاسل ، يقلبه كيف أراد ولا يكون له حركة ولا تدبير » ، وقال أيضا : « العلم كله باب من التعبد والتعبد كله باب من الورع والورع كله باب من الزهد والزهد باب من التوكل » . وقال حمدون القصار : « التوكل هو الاعتصام باللّه ثم اعلم أن كمال التوكل الرضا بما قسم اللّه له » . فصل في الرضا قال اللّه تعالى : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « وارض بما قسم اللّه لك تكن أغنى الناس » « 2 » .
--> ( 1 ) رواه أحمد في المسند ، آخر أحاديث عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما حديث رقم ( 3819 ) [ ج 1 ص 403 ] . ( 2 ) رواه الترمذي في الجامع الصحيح ، كتاب الزهد ، باب من اتقى المحارم . . . ، حديث رقم ( 2305 ) . ورواه أبو يعلى في مسنده عن أبي هريرة ، حديث رقم ( 6240 ) [ ج ص 113 ] . ورواه غيرهما .